لا تكمن خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان في احتمال تجدد الحرب وحده، بل في السؤال عما قد يحدث إذا تجددت المواجهة فيما تتراجع إحدى أهم آليات ضبطها على الأرض. فلبنان يقترب من نهاية ولاية اليونيفيل بصيغتها الحالية، من دون أن يكون مستقبل الوجود الدولي في الجنوب قد حُسم بصورة نهائية، وفي ظل واقع أمني لم يستقر بعد على تسوية تضمن عدم العودة إلى المواجهة.
هنا تظهر المفارقة: قد يحتاج لبنان إلى دور دولي أكثر فاعلية في لحظة تتجه فيها الآلية الدولية القائمة نحو الانتهاء. لكن هل يعني ذلك أن المظلة الدولية توشك على السقوط، أم أن شكلها ووظيفتها هما اللذان يتغيران؟
من مظلة الاستقرار إلى حدود القدرة الدولية
لم تكن اليونيفيل يومًا ضمانة مطلقة لمنع الحرب، ولم تمتلك صلاحية فرض السلام على الأطراف. لكن وجودها أتاح مراقبة التطورات الميدانية، وتوثيق الانتهاكات، وفتح قنوات اتصال تساعد على احتواء الحوادث ومنع تحولها إلى مواجهات أوسع. وتبرز أهمية هذه الوظائف خصوصًا عندما تكون الثقة بين الأطراف شبه معدومة، ويصبح سوء التقدير العسكري خطرًا قائمًا بذاته.
لذلك، فإن انتهاء الولاية بصيغتها الحالية لا يعني تلقائيًا اختفاء الدور الدولي، لكنه يطرح سؤالًا عمليًا: ما الآلية التي ستتولى هذه الوظائف، وبأي صلاحيات وإمكانات؟ فاستبدال قوة دولية بأخرى، أو تعديل شكل حضورها، لا يضمن وحده الحفاظ على مستوى الفاعلية نفسه. فالعبرة ليست بعدد الجنود أو اسم المهمة، بل بقدرتها على مراقبة الوقائع، والتحرك ضمن تفويض واضح، والتواصل مع الأطراف المعنية.
الخطر ليس في الانسحاب وحده
قد يكون الفراغ الأخطر هو الفراغ الذي ينشأ بين انتهاء مهمة قديمة وقيام آلية بديلة قادرة على أداء وظائفها. فإذا تأخر الاتفاق على البديل، أو جاء التفويض الجديد محدودًا، فقد تتراجع القدرة على مراقبة التطورات واحتواء الحوادث في مرحلة لا تزال فيها أسباب التوتر قائمة.
لكن تحميل القوة الدولية وحدها مسؤولية الاستقرار سيكون قراءة ناقصة. فاليونيفيل تستطيع المراقبة والتنسيق والمساعدة ضمن حدود تفويضها، لكنها لا تستطيع أن تحل مكان الدولة اللبنانية، أو أن تفرض تنفيذ القرارات الدولية على أطراف ترفض الالتزام بها. ومن هنا، فإن أي نقاش بشأن مستقبلها ينبغي أن يترافق مع بحث جدي في قدرة الجيش اللبناني على الانتشار، والإمكانات المتاحة له، ومدى احترام الأطراف لسيادة لبنان والتزاماتها الدولية.
بين الضمانة الخارجية والمسؤولية الداخلية
المظلة الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن الدولة. لكنها في الوقت نفسه ليست تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه من دون حساب تداعيات ذلك على الأرض. فالمطلوب ليس الاختيار بين الاعتماد الكامل على الخارج ورفض دوره، بل بناء معادلة تجعل الدعم الدولي عاملًا مساعدًا لتعزيز سلطة الدولة، لا تعويضًا دائمًا عن غيابها.
وهذا يتطلب موقفًا لبنانيًا واضحًا من طبيعة القوة المطلوبة، ومهماتها، وعلاقتها بالجيش، وآليات مراقبة وقف الأعمال العدائية. كما يتطلب تحركًا دبلوماسيًا يحوّل المطالبة باستمرار الحضور الدولي إلى مقترح عملي قابل للتنفيذ، بدل الاكتفاء بالتحذير من الفراغ بعد وقوعه.
هل يقترب لبنان من مرحلة أكثر خطورة؟
لا يمكن الجزم بأن انتهاء ولاية اليونيفيل سيؤدي حتمًا إلى حرب جديدة، كما لا يمكن افتراض أن وجود بديل دولي سيمنعها. فمسار المواجهة يتوقف على عوامل أوسع، من القرارات العسكرية والسياسية إلى الالتزام بالاتفاقات وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها.
لكن المؤكد أن الانتقال بين مهمتين دوليتين، إذا حصل من دون ترتيبات واضحة وفاعلة، قد يرفع كلفة ضبط التوتر في لحظة حساسة.
لبنان، إذًا، لا يواجه خيارًا بسيطًا بين الحرب والسلام، بل اختبارًا مزدوجًا: كيف يمنع تجدد المواجهة، وكيف يتعامل مع احتمال تراجع إحدى أدوات الاحتواء الدولية؟ فالخطر الحقيقي ليس فقط أن تنتهي المظلة بصيغتها الحالية، بل أن تنتهي قبل الاتفاق على ما يحل مكانها. وعندها، لن يكون السؤال من يراقب الحدود فحسب، بل من يمتلك القدرة والإرادة لمنع حادث ميداني من التحول إلى حرب جديدة.





















































